"حقوق المغرب في الصيد وفقاً لإتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 ""مع دراسة خاصة لإتفاقية الصيد المبرمة بين المغرب والإتحاد الأوربي في عام 1995"""

لالة نعيمة عاشر القاهرة الحقــوق القانـون الدولي العـام الدكتوراه 2008

                                                "تغطي البحار والمحيطات ما يقرب من 71 من مساحة سطح الأرض، وهذه النسبة الكبيرة لم تأت عبثا، وإنما لأن البحار تؤدي دورا حيويا وأساسيا من خلال توفير وتهيئة الأوضاع المناسبة لإستدامة حياة الإنسان والكائنات الفطرية، فالبحار تحافظ على التوازن المناخي العام للكرة الأرضية، وتعتبر موردا طبيعيا وثروة فطرية، تمد الإنسان بالغذاء والطاقة والمعادن والبترول ومستلزمات الزينة.

فالبحر حسب ابن منظور في لسان العرب هو الماء الكثير ملحا كان أو عذبا، وقد سمي بذلك لعمقه وإتساعه وإنبساطه.

وإعتمادا على القرآن الكريم نجد أن لفظ بحر ورد في ثلاث وثلاثين آية، ووردت لفظة بحرين في ثلاث آيات، ولفظة أبحر في آية واحدة. وهكذا وردت الألفاظ المتعلقة بالبحر تسعاً وثلاثين مرة.

السواحل البحرية جذبت أكثر من 60% من سكان الأرض، يعيشون عليها أو على مسافة نحو مائة كيلو متر من الخط الساحلي، فمعظم المناطق والمدن الصناعية موجودة على السواحل، والمرافئ تستخدم السواحل لتبادل التجارة، كما هي منطقة لممارسة الكثير من الألعاب الرياضية، علاوة على ذلك هناك الكثير من الكائنات الفطرية، كالطيور وغيرها، تعيش على هذه السواحل البحرية، وإستدامة حياتها تعتمد عليها بشكل مباشر. ويقدر الطول الإجمالي للسواحل في العالم بحوالي 450.000 كلم، كما يعيش ثلثا سكان العالم بالقرب من السواحل، وأن من مجموع 192 دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة توجد أكثر من 125 دولة ساحلية أو واقعة على شواطئ المحيطات أو البحار المفتوحة أو المغلقة أو شبه المغلقة.

لقد عمدت الأمم البحرية التقليدية منذ أمد بعيد إلى إستغلال البحار والمحيطات من أجل الحصول على الطعام والطاقة، النقل والاتصال، وكميادين للمناورات السياسية والاشتباكات العسكرية، وأيضاً كموضوع هام في الأدب والفن. وفي عالم موبوء بأزمات بيئية ترتبط بالغذاء والطاقة وتناقص الموارد الطبيعية عموما لم ينتبه الإنسان إلا في وقت متأخر إلى كنوز البحار ثم إلى محاولة فهم حقيقتها وطبيعتها، أما الآن فهو يرى بوضوح أكثر النظام البحري ككل، وكيف يمكن أن يساعده في البحث عن حلول لمشاكل جديدة.

لذا فقد كان موضوع البحر يستحوذ على إهتمام رجال السياسة والقانون منذ القديم، وهو ما يتبين من خلال المحاولات المتعددة للدول من أجل بسط سيطرتها عليه، أو من خلال المؤتمرات الدولية المتعددة من أجل تقنين قواعده وتنظيم إستغلاله.

إن مسألة اهتمام الدول بموارد البحر، وإن لم تكن وليدة العصر الحالي، إلا أنها تعاظمت خلال العقود الأولى من القرن الماضي حيث بدأت الدول في التهافت على توسيع عرض بحرها الإقليمي إلى امتدادات متباينة.

إن مصير سكان الكرة الأرضية الذي تضاعف أكثر من خمس مرات خلال قرن واحد، واستمرار حضارتهم فوقها، وعجز اليابسة عن تلبية حاجات الإنسان، مرتبط بهذه البحار والمحيطات، فقد بدأت تصورات الإنسان لإستغلالها مستقبلا كبناء المدن العائمة فوقها، وخلق العقارات البحرية داخلها، وحرث قيعان البحار بمردودية عالية، وتربية أنواع لا تحصى من الحيوانات بمياهها، وتنمية أشكال عديدة من النباتات وإستخراج الطاقة من أمواجها، وعلاج الكثير من الأمراض من مصادرها، إلى غير ذلك من خيراتها. فهي بحق الضامن لإستمرار الإنسان والعمران ولتحقيق الأمن الغذائي والاجتماعي بل وحتى السياسي والأمني، إن من يملك البحار يملك المستقبل.

وأمام هذا الهرم من الإتفاقات والقوانين البحرية التي تحمي مصالح دون أخرى، أصبح الأمر يتطلب وقفة تأمل لمراجعة القانون البحري بمفهومه الواسع، مراجعة سيادة الإنسان على البحر وكيفية استعماله وإستغلاله لصالح الإنسان. كما أن أهمية دراسة القانون البحري تقاس بما للدولة من طاقة بحرية تجارية وبمدى حركة موانئها وتجارتها.

إن العناية الإلهية بالبحر والمتمثلة في خلقه وجعله أكبر خزان لثروات يستدعي من كل الفاعلين والمهتمين سواء كانوا رجال قانون أو إجتماع أو رجال دين أو فلسفة أم علم كل من منظوره الخاص أن يقوموا بالبحث والدراسة في قضايا البحر لما له من أهمية على المستوى الإقتصادي والتجاري سواء بالنسبة للمجال البحري الدولي أو المجال البحري المغربي.

ويحتل المغرب موقعا يميزه عن باقي الدول الإفريقية المجاورة له، وتبدو مميزات هذا الموقع الجغرافي الهام في كونه الدولة الوحيدة التي تقع في الركن الشمالي الغربي في قارة إفريقيا، والتي لها سواحل بحرية على كل من المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط تزخر بثروات سمكية هامة تساهم في دعم وإغناء الإقتصاد الوطني. ولقد كان الملك الحسن الثاني مؤمنا بأن موقع المغرب البحري من أهم المواقع العالمية بإمتياز، وكان مقتنعا رحمة الله أن هذا الموقع الجيواستراتيجي، وغنى مياه بحاره بالموارد الحية وغير الحية، وطول سواحله 3400 كلم، وإتساع منطقته الإقتصادية التي تتجاوز مليون كلم2، هي مصدر غناه وفي ذات الوقت مصدر لمشاكله، وأن موقعه البحري طبع البلد بخصوصيات سياسية قد لا تتوفر لغيره باعتبار أن الجغرافية تصنع السياسة وتتحكم في التاريخ.

وللإشارة فإن هذا الموقع الإستراتيجي الهام الذي يتمتع به المغرب، جعله منذ القدم، محط أطماع العديد من الدول التي كانت تتطلع للسيطرة على خيراته الداخلية، وإلى إستنزاف موارده الغنية خصوصا وأن نشاط الصيد البحري بالسواحل المغربية ظهر وتطور منذ القدم، وهو لا يقل أهمية عن النشاط الفلاحي أو الصناعي. ولكون المغرب جسرا ومنطقة تبادل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، كان من اللازم أن تتكون لديه شخصية متفتحة، متسامحة، متطورة ومتفاعلة مع المحيط الدولي.

ونعتقد أن إلقاء نظرة تاريخية على ملف الصيد البحري في العلاقات المغربية – الإسبانية يبين إلى أي مدى ارتبط هذا الموضوع بالجانب السياسي المتراكب مع الجانب الاقتصادي. إسبانيا كانت بإستمرار تعتبر أن لها حق تاريخي في تواجد أساطيلها بالمياه الوطنية المغربية معتمدة في ذلك على عدة معاهدات. لذا من بين الإتفاقات الأكثر أهمية تاريخيا بالنسبة لأسطول إسبانيا المتحرك على الواجهة الجنوبية، هناك إتفاقات الصيد الموقعة مع المغرب 1767 و 1799 ذلك أن ملف الصيد البحري كان دائما حاضرا بقوة ويتأكد ذلك جليا في المطالب التي لاحقت بها إسبانيا المغرب بعد نهاية حرب تطوان سنة 1860. غير أن السلطات المغربية، وعيا منها بهذه الأهمية، إستعملت تاريخيا مياهها للضغط على إسبانيا من أجل الحصول على صفقات في مجال تجارة المواد الفلاحية، وأيضا في مجالات أخرى.

إن التحولات المتلاحقة والمتعاقبة والمتسارعة أتت من البحر بالأساس، وإحتلال البلاد سيتم كذلك عن طريق البحر. فمن المعاهدات التجارية إلى الإتفاق الودي سنة 1905 إلى مؤتمر الجزيرة سنة 1906 وعقد الحماية سنة 1912، إلى فتح أبواب البلاد على التجارة الدولية واستقرار الأجانب وتوغلهم في الداخل، حيث المناطق المتوفرة على مؤهلات اقتصادية وقابلة للإستغلال للمساهمة في تطوير إقتصاديات البلدان الأوربية، إلى المواجهة بين القوى فيما بينها للإستحواذ على البلاد، فالمواجهة مع المغرب لإخضاعه، في كل هذه المراحل كان دائما الإنتصار لأقوى الدول الأوربية، وما كان المغرب بقادر على التصدي لهذه التكالبات لهذا تعامل معها بسياسة التوازنات، التي أدت في النهاية إلى إقتسام البلاد بين القوى المتصارعة.

لقد حدث الإخضاع بكل أشكاله، عسكريا من خلال حروب أسلي وتطوان وغيرها، سياسيا من خلال مؤتمر الجزيرة وعقد الحماية، وإقتصاديا بإغراق المغرب في الديون الخارجية لتسهيل إختراقه وإجتماعيا بتطوير فئة موالية للغرب. وقد كان المغرب دائما يوقع قانونيا على وثائق إخضاعه. لقد كان الإخضاع إستدراجا وتدريجيا، بدأ في أبسط أشكاله وإنتهى في أقصى مراحله (الاستعمار).

إن القانون الدولي في تلك الفترة هو قانون المستعمرات، وبالتالي عولمة تلك الفترة كانت ترتكز على قانون الأسياد."


انشء في: ثلاثاء 24 يوليو 2012 12:45
Category:
مشاركة عبر